ابن خلدون
417
تاريخ ابن خلدون
ويطارحه الكثير من مذاهبه ويجرى في الثناء الذي بلغ إلى غايته وأولى على بنيته وأما أحمد بن عمر بن العابد فلم يزل من لدن استبداده ببلده قفصة سالكا مسالك الخمول منحطا عن رتبة التكبر منتحلا مذاهب أهل الخير والعدلة في شارته وزيه ومركبه جانحا إلى التقلل فلما أوفى على شرف من العمر استبد عليه ابنه محمد وترفع عن حال أبيه بعض الشئ إلى مناغاة هؤلاء الرؤساء المترفين فبينما هؤلاء المتقدمون في هذه الحالة من الاستبداد على السلطان انتحلوا بأخلاق الملوك والتثاقل عن الرعايا بالعسف والجور واستحداث المكوس والضرائب إذ طالما خصهم السلطان أبو العباس بالحضرة مستبدين بدعوته صارفا سهم عزائمه فوجموا وتوجسوا الخيفة منه وائتمروا في المظاهرة واتصال اليد بعد أن كانوا يستحثونه إلى الحضرة ويبعثون إليه بالانحياش على البعد زلوقا على صاحب الحضرة ونزوعا على مصدوقية الطاعة فلما استبد السلطان أبو العباس بالدعوة استرابوا في أمرهم وسربوا أموالهم في الاعراب المخالفين على السلطان من الكعوب يؤملون مدافعتهم عنهم فشمر لها أولاد أبى الليل بما كان وقع بينهم وبين السلطان من النفرة ونهض إليهم السلطان فغلبهم على ضواحي إفريقية على الظواعن التي كانت جبايتها لهم منذ حين كما قلناه واستحلم فأوهن ذلك من قوتهم ثم زحف الثانية إلى أمصار الجريد فلاذوا بالامتناع وأناخ السلطان بعساكره وأوليائه من العرب أولاد مهلهل على قفصة فقابلها يوما أو بعض يوم وعدا في ثانية على نخيلهم يقطعها فكأنما يقطع بذلك أمعاءهم فتبرؤا من مقدمهم وشعر بذلك فبادر إلى السلطان ونزل على حكمه فتقبض عليه وعلى ابنه شهر ذي القعدة من سنة ثمانين وتملك البلد واستولى على ديار ابن العابد بما فيها وكان استيلاء لا يعبر عنه لطول أيامه في الولاية وكثر احتجانه للأموال وعقد السلطان على قفصة لابنه أبى بكر وارتحل يريد توزر فقوض عنها بأهله ونزل على أحياء مرداس وسرب فيهم المال فرحلوا معه إلى الزاب ولحق ببسكرة مأوى نكباته ومنتهى مقره فنزل بها على أحمد بن يوسف بن مزنى وأقام هنا لك على بلغة من توقع مطالبة السلطان له ولجاره ابن مزنى من خسارة أموالهم في لفوف العرب وسوء المغبة إلى أن هلك لسنة أو نحوها بعد تقويضه عنهم بعثوا إلى السلطان فلقيه في أثناء طريقه وتقدم إلى البلد فنزل بقصور يملول واستولى على ذخيرته وتبرأ إليه أهل البلد من ودائع كانت له عندهم من خالص الذخيرة فدفعوها إلى السلطان وعقد لابنه المنتصر على توزر واستقدم الخلف بن الخلف من نفطة وكان يخالف أصحابه إلى الطاعة حتى نقضوها زبونا على ابن يملول وسالفه من العداوة ينقلها فلما أحيط بهم أدركه الدهش وبادر إلى السلطان بطاعته فأتاهم